الشيخ محمد النهاوندي
10
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وعن الباقر عليه السّلام : « كادت تخبر بخبره أو تموت » « 1 » لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا وشددنا عَلى قَلْبِها بالصبر والثبات بتذكرها ما وعدناه من ردّه إليها سالما وجعله رسولا . وقيل : إنّ المراد صار فؤادها فارغا من كلّ غمّ وخوف لمّا سمعت أنّ امرأة فرعون عطفت عليه ، وكادت تبدي أنّه ولدها ، ولم تملك نفسها فرحا لولا أن سكّنّا ما بها من شدّة الفرح « 2 » ، وعلى أي تقدير كان ذلك الربط لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمصدّقين بقدرتنا وصدق وعدنا وَقالَتْ امّ موسى لِأُخْتِهِ لأبيه وامّه اسمها مريم أو كلثوم : قُصِّيهِ وفتّشي خبره ، واتّبعي أثره ، وانظري كيف حاله ، فجاءت إلى باب فرعون فَبَصُرَتْ بِهِ ورأته عَنْ جُنُبٍ وناحية بعيدة عند فرعون وأهله وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ولا يلتفتون إلى أنّها أختها جاءت لتعرف حاله وتفتيش كيفية تعيّشه . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) ثمّ بيّن اللّه تعالى تدبيره في ردّ موسى عليه السّلام إلى امّه حسب وعده إياها بقوله : وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ ومنعنا عنه لبن المرضعات ، أو ثديّات « 3 » النساء بالنّفار عنها . قيل : إنّ امّه أرضعته ثلاثة أشهر حتى عرف ريحها « 4 » . قيل : لم يقبل ثدي أحد ثمانية أيّام ، وكان يرتضع من لبن يخرج من إصبعه ، فاضطربت آسية وقومها من ذلك ، فَقالَتْ أخت موسى لفرعون وأهله بعد أن رأت عدم قبول موسى ثدي أحد ، واعتناء فرعون بشأنه ، وطلبهم امرأة يقبل ثديها : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ويضمنون إرضاعه وتربيته وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ وكلّ لنفعه وخيره طالبون ، وبحضانته مجدّون ؟ قيل : إنّ هامان قال : إنّها تعرفه وتعرف أهله . قالت : إنّما أردت إن هم للملك ناصحون « 5 » . روي أنّهم قالوا لها : من يكفله ؟ قالت : امّي . قالوا : ألامّك لبن ؟ قالت : نعم ، لبن هارون ، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها صبيّ ، فقالوا : صدقت « 6 » . وقيل : إنّها قالت : هي امرأة قد قتل ولدها ، فأحبّت أن تتّخذ صغيرا ترضعه . قالوا : اذهبي وأتينا بها ، فرجعت إلى امّها فأخبرتها بالقصّة ، فجاءت مع ابنتها إلى فرعون ، فرأت موسى عنده وهو يبكي ،
--> ( 1 ) . تفسير القمي 2 : 136 ، تفسير الصافي 4 : 82 . ( 2 ) . تفسير الرازي 24 : 229 . ( 3 ) . كذا ، وجمع الثدي : أثد أو ثديّ . ( 4 ) . تفسير الرازي 24 : 230 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 6 : 387 . ( 6 ) . أيضا .